

لغز الخصومات من أرصدة عملاء المصارف ..حماية أم جباية
شهدت الأيام الماضية جدلا عبر مواقع اعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، إثر ملاحظة عملاء “بنك الخرطوم” تنفيذ خصومات مالية دورية من حساباتهم الشخصية.
وفي ظل الظروف الاقتصادية المعقدة التي يعيشها السودان، يصبح القلق على “المدخرات” رد فعل طبيعياً وتلقائياً.
وقد أثارت الخصومات تساؤلات لدى قطاع عريض عن طبيعة هذه المبالغ، ولماذا يتم اقتطاعها الآن، وهل هي مجرد “جباية” أو رسوم إضافية ترهق كاهل المودع، أم أنها تخدم غرضاً أعمق يتعلق بأمن أموال المودعين.
الأمر ليس ابتكاراً سودانياً مفاجئاً، بل هي معيار دولي تتبناه اليوم أكثر من 145 دولة حول العالم.،كما أن ما تم خصمه ليس وقفا على بنك الخرطوم بل كافة المصارف السودانية لكن لأن بنك الخرطوم هو الرائد ويحظى بثقة غالب المتعاملين مع القطاع المصرفي كان هو مثار الجدل.
بدأت الجذور القانونية في السودان لهذا النظام بصدور “المرسوم الخامس لعام 1991″، ولكن التفعيل الرسمي والبدء الفعلي كان في 17 فبراير 1996 عندما صادق رئيس الجمهورية على تأسيس “صندوق ضمان الودائع المصرفية”.
هذا الصندوق هو جسم حكومي يتبع لبنك السودان المركزي، وقد وُجد ليعزز الثقة في النظام المصرفي، ويضمن ألا تضيع مدخرات المودعين -خاصة الصغار منهم- في حال تعثر أي مصرف.
الخصم الذي تم من حسابات العملاء ليس “رسوم خدمة إضافية” تجنيها البنوك، بل هو إجراء وقائي ومساهمة في نظام تكافلي عالمي.
ويركز الصندوق اهتمامه الأكبر على حماية “الرجل الصغير” لضمان استقرار مدخراته وعدم تأثرها بالأزمات الكبرى.
ويعمل الصندوق بالدور الوقائي عبر التنبؤ قبل وقوع الكارثة يقوم الصندوق بتحليل المراكز المالية للمصارف بانتظام لاكتشاف نقاط الضعف مبكراً.
وفي حال تعثر أي مصرف، ينتقل الصندوق لمرحلة التنفيذ الميداني لضمان استرجاع الودائع (جزئياً أو كلياً)
وحماية حقوق صغار المودعين الذين يمثلون الركيزة الأساسية للاستقرار الاجتماعي.
إن الفهم لآلية عمل صندوق ضمان الودائع ينبغي أن يحول اصحاب الحسابات من “عميل قلق” إلى “مودع واعٍ” يدرك قيمة الاستقرار المؤسسي.
وما يعزز الشرعية والشفافية أن الخصومات قانونية تماماً وتتم بإشراف ورقابة البنك المركزي، والبنك التجاري ليس إلا مفوضاً تنفيذياً لتطبيق هذه القوانين العالمية.
ويضاف للسياج القانوني الأمان المؤسسي، حيث أن أموال المودعين ليست تحت رحمة قرار فردي أو إدارة بنك واحد، بل هي محمية داخل نظام مصمم لإدارة الأزمات وتوفير مظلة أمان تتجاوز حدود المؤسسة الواحدة.
وبالتالي بنك الخرطوم لا يملك سلطة القرار في هذه الخصومات؛ فهو مجرد جهة تنفيذية لتوجيهات بنك السودان المركزي والقانون المنظم للصندوق،ويتم الخصم استناداً إلى نصوص قانونية وتفويضات مسبقة موجودة ضمن استمارات فتح الحساب التي يوقع عليها العميل.
ووفقا لهذه الحقائق فإن الخصم الذي تم لمصلحة المودع
وهو اقتطاع لمبلغ محدود يمثل “قسط تأمين” أو مساهمة تكافلية تضمن لك وجود جهة حكومية تلتزم برد أموالك في أسوأ السيناريوهات المحتملة.
ويدير الصندوق أموال الضمان من خلال “محافظ تكافلية” متميزة، وفهم الفرق بينهما يوضح لك سبب ظهور الخصم في حسابك،وتشمل محفظة التكافل للودائع الجارية
التي تساهم فيها المصارف، والحكومة، وبنك السودان، المركزي؛ ولا يتم الخصم فيها من المودع مباشرة.
ومحفظة التكافل لودائع الاستثمار، وهذه هي النقطة الجوهرية، حيث تساهم فيها أصحاب ودائع الاستثمار أنفسهم. فإذا كنت تمتلك حساباً استثمارياً، فإنك تساهم في هذه المحفظة لضمان حماية استثمارك.
لذا، فإن الخصومات التي تظهر في الحسابات هي مبالغ محدودة مقابل حجم الحماية التي توفرها هذه “المظلة” القانونية.
القلق على الأموال أمر طبيعي، ولكن الوعي بالحقوق والواجبات هو ما يحول هذا القلق إلى طمأنينة، والخصومات الأخيرة ليست مؤشراً على وجود مشكلة في حسابك، بل هي إجراء قانوني دوري يهدف لتحصين مدخراتك.
من حق جميع المودعين دائماً المطالبة بالشفافية في طرق الاحتساب عبر القنوات الرسمية، ولكن ينبغي أن نتذكر دوماً أن هذا النظام وُجد ليكون “صمام أمان” يحمي أموالك ويحمي أيضاً الاقتصاد الوطني.
وأخيراً هل ترى أن الوعي بالقوانين المصرفية كافٍ للتفريق بين الإجراءات الوقائية والرسوم الخدمية، أم ثمة حاجة لمزيد من الشفافية والتواصل المباشر من المؤسسات المالية والمصرفية؟.




