

متابعات
مرآة السودان
بين الحفاظ على الكرامة وصراع البقاء: بنك الخرطوم خط الدفاع الأول في معركة السودان
ديسمبر 31, 2025
في ذكرى الاستقلال السبعين: منتدى “السلام لوطن معافى” يسلط الضوء على صمود المصارف في مواجهة العاصفة
في إطار احتفالات السودان بالذكرى السبعين للاستقلال، وفي لحظة تاريخية تجسد صمود الشعب، احتضنت دار السودان العتيقة بالقاهرة – ذلك الصرح الذي تأسس عام 1960 كسفارة شعبية للوجدان السوداني – فعالية “منتدى السلام لوطن معافى”. نظم المنتدى مركز إسبيشل للاستشارات والتدريب واللغات والتنمية البشرية بالتعاون مع جمعية دار السودان بالقاهرة ورابطة الصحافة الإلكترونية السودانية بالقاهرة، محوراً نقاشه حول سؤال مصيري: “دور القطاع المصرفي في حرب الكرامة: تحليل نقدي – بنك الخرطوم نموذجاً”.
حفاوة التراث وصرامة التحليل: أمسية تجمع بين العقل والوجدان
ابتدأت الأمسية، التي حضرها كوكبة من الشخصيات السودانية البارزة في القاهرة، بجولة في المعرض الداخلي الذي احتضن قطعاً تراثية سودانية نادرة، جسدت عمق التاريخ والحضارة، لتبدأ بعدها الجلسة الفكرية التي تبادل فيها المشاركون الرؤى حول دور المؤسسات في زمن المحنة.
تناول العميد مصطفى العبادي في كلمته محطات استقلال السودان المجيد، مؤكداً أن السودان نال استقلاله مرتين: الأولى بقيادة الإمام المهدي، والثانية عبر إرادة شعبية عام 1956. فيما مثلت كلمة رابطة الصحافة الإلكترونية صوت الإعلام الواعي في معركة الوعي والحفاظ على السردية الوطنية.
الورقة الأساسية: تشريح أزمة القطاع المصرفي واختبار الصمود
قدم الأستاذ مرتضى جلال الدين الحاج الورقة المحورية للمنتدى، التي حللت بشكل نقدي عميق التحديات الجسيمة التي واجهت القطاع المصرفي منذ اندلاع النزاع، والتي تمثلت في:
· تدمير البنية التحتية المادية والتقنية.
· انهيار البيئة التشغيلية والأمنية.
· انكماش حاد في السيولة النقدية، مما أثر مباشرة على عمليات الإقراض والتسهيلات الائتمانية.
· تعليق الخدمات المصرفية في مناطق النزاع، لينتقل أثر ذلك مدمراً إلى الأسر وصغار التجار وسلاسل الإمداد.
وكشف التحليل عن خمس طبقات رئيسية للأزمة:
1. الوجود القانوني مقابل الأداء الاقتصادي: حيث توقفت العديد من المصارف عن أداء دورها في الوساطة المالية رغم بقائها مسجلة رسمياً.
2. الهروب المنظم لرأس المال.
3. غياب الحياد عن بعض المؤسسات.
4. أثر سلبي صافٍ: يتمثل في انتقال تمويل الاقتصاد إلى السوق الموازية (غير الرسمية)، مما حمل المواطن العادي تكلفة الفراغ الذي خلفه انهيار الخدمات المصرفية الرسمية.
5. فشل امتصاص الصدمات: أي العجز عن إعادة الجدولة وتقاسم المخاطر مع المتعثرين.
بنك الخرطوم: نموذج الصمود المؤسسي وخط الدفاع الأول
في مواجهة هذا المشهد الكارثي، برز بنك الخرطوم كنموذج للصمود المؤسسي. وأشارت الورقة إلى أن البنك:
· لم ينهار واحتفظ بترخيصه وهياكله الإدارية وسلسلة القيادة.
· حافظ على استمرارية الخدمات الرقمية الحيوية، خاصة عبر تطبيق “بنكك”، وخدمات التحويلات الخارجية، مما شكل شريان حياة للمواطنين والنازحين.
· التزم بالمعايير الدولية للامتثال والمكافحة، مما جنبه العزلة الخارجية وحافظ على قنوات التعامل العالمية.
وبهذا، مثل بنك الخرطوم خط الدفاع الأول للقطاع المصرفي في معركة الحفاظ على كرامة السودانيين وتيسير معاملاتهم اليومية الأساسية في أصعب الظروف.
شهادة من داخل الدفاع: مجهود خارق لتأمين استمرارية الخدمة
جاء رد الدكتور مجدي أمين، ممثل بنك الخرطوم، ليكشف عن الجهد الخارق الذي بذله البنك للحفاظ على عملياته. وأوضح أن البنك، كشركة مساهمة وطنية خاضعة لقانون الشركات السوداني، اضطر لنقل سيرفيراته إلى مناطق آمنة، وأن فرقاً فنية خاطرت بدخول مناطق صراع في الخرطوم لتشغيل الأنظمة، مؤمناً استمرارية الخدمة.
وأكد على الطبيعة الوطنية للمؤسسة ومساهماتها المعتبرة في المسؤولية المجتمعية ودعم صمود المجتمع، نافياً أي تبعية للإمارات كما ترددت شائعات.
وفي رد على سؤال حول وجود فرع للبنك في مصر،أفاد الدكتور مجدي أن البنك استوفى كل المتطلبات والاشتراطات المصرية، وينتظر الإشارة الخضراء من الجهات المصرية المختصة لبدء عملياته، مما يعزز التعاون المصري السوداني.
مبادرات إنسانية: “شمسك” لكبار السن النازحين
تضمنت المداخلات أيضاً إعلان الدكتور لؤي تقلاوي عن مبادرة “شمسك” الإنسانية، التي تهدف إلى إخراج كبار السن من النازحين من العزلة النفسية عبر يوم ترفيهي خاص، داعياً بنك الخرطوم والمؤسسات الأخرى لدعمها، في تجسيد عملي لدور القطاع الخاص في المعركة الإنسانية.
ختام على نغم الحنين: الفن يصون الذاكرة
اختتمت الأمسية بفاصل غنائي مؤثر قدمه الفنان طارق وهبا حفيد العملاق محمد وردي، رفقة العازف هشام الهادي، حيث ردّد الحضور أغانٍ وطنية خالدة، اختلطت فيها الدموع بالتصفيق، مؤكدين أن الكرامة تصان بالاقتصاد القوي، والإرادة الصلبة، والوجدان الحي الذي يرفض الانكسار.
أثبت المنتدى أن دار السودان لا تزال منبراً حياً للفكر والوجدان الوطني، وخرّج رسالة واضحة: في معركة الكرامة، تتحول المؤسسات الصامدة من كيانات اقتصادية إلىحصون للوجود الوطني والإنساني.




