
ليس هناك ما هو أخطر على الوعي العام من طرح استفتاء على الناس في ثوب المهنية.. بينما هو في الواقع أشبه بحيل دعائية مبتذلة ومكشوفة ويفتقر إلى أبسط معايير الدقة والشفافية.. ومثال ذلك استفتاء (الوطن) حول أفضل شخصيات لعام 2025.. والذي جاء نموذجاً صارخاً للتضليل وأسهم بكل أسف في إرباك واستفزاز الرأي العام السوداني الواعيلا ذلك الذي يقاد.. أو تنطلي عليه الألاعيب أو “يساق بالخلا”.
0 كيف يعقل أن يجري استفتاء ويمنح بنك فيصل المرتبة الأولى مع التقدير لادارته.. بينما كل من له وعي ولو محدود يعرف أن بنك الخرطوم هو العمود الفقري للنظام المصرفي.. وركيزة حياة الملايين من السودانيين خلال الحرب.. ويعلم القاصي والداني ان بنك الخرطوم مؤسسة عريقة ذات تاريخ طويل وإدارة مستقرة.. لم تشهد أزمات إدارية تذكر، على عكس مؤسسات أخرى صارت أسماؤها مرتبطة بالأزمات.. ولم يكن مجرد مؤسسة مالية ولم يكن تطبيقه (بنكك) مجرد خدمة تحويل أموال بل شريان حياة حقيقي للسودانيين.. مكنهم من دعم أسرهم و تسيير أعمالهم.. والبقاء على اتصال مع بعضهم البعض.. وغابت الدولة عن تقديم أبسط خدماتها.
0 لا يمكن الحديث عن تجربة السودانيين في الحرب دون التوقف عند بنكك.. الذي صمد حين توقفت بنوك أخرى عن أبسط واجباتها.. لقد وفر الأمان المالي والطمأنينة وسهل التحويلات ودعم الأسر.. ومكن الناس من إدارة شؤون حياتهم اليومية في أقسى الظروف.. كانت تجربة وطنية خالصة أثبتت أن المؤسسة المصرفية يمكن أن تكون سنداً لشعبها وقت الشدة.. وهو ما يستحق الإشادة بقيادة البنك الإدارية والتنفيذية التي جسدت معنى المسؤولية الوطنية والاحتراف.
0 لم تتوقف مفارقات الاستفتاء عند تجاهل بنك الخرطوم.. بل امتدت إلى اختيار مدير عام شركة تاركو سعد بابكر رجل الأعمال الأبرز لعام 2025.. رغم افتقاره إلى تاريخ واضح في ريادة الأعمال ودور كبير في المعركة.. على حساب أسماء وطنية ثقيلة ذات إسهامات ملموسة في المعركة الوجودية.. أمثال هشام السوباط وأزهري مبارك الذي حفر اسمه في وجدان أهل دارفور قبل اهله في الشمالية.. وعبد المنعم موسى أبو ضريرة (امبراطور الدقيق) الذي قاد جهود الإسناد والدعم وإعادة الإعمار بولاية الجزيرة ومعاوية البرير الذي اعاد الي الخرطوم نبضها الصناعي وغيرهم.
0 سعت الصحيفة إلى إضفاء قدر من المصداقية عبر ترشيح عدد من الصحفيين المهنيين المعروفين.. مثل الحبيب مستشار رئيس الوزراء محمد عبد القادر والعزيزة رشان أوشي.. وهما نموذجان يحتذى بهما في الالتزام بالمعايير المهنية و أثبتا أن الصحافة مهارة ومسؤولية.. لا تقوم على (التوريث) أو المحسوبية، وكتبا الخبر قبل الرأي.. وكان لجوء الصحيفة إليهما اختياراً صائباً.. لأنه لا مجال للمجاملة هنا
كما تعلم الصحيفة أن ردود الفعل ستكون عنيفة.. إذا ما دفعت بأسماء لا رصيد لها في الحقل الصحفي، كما حدث مع البنوك ورجال الأعمال.. خاصة اننا شهدنا خلال فترة الحرب تسلل كثير من “المرتزقة والانتهازيين وأنصاف الساسة” إلى هذه المهنة النبيلة.. وهو ما صدق فيه الزميل الحبيب ضياء الدين بلال حين ظل يحذر من أن الصحافة مهنة بلا أسوار.
0 إن مثل هذه (الاستفتاءات) لا تخدم المجتمع بل تضلل الرأي العام.. وتحول الصحافة من منصة للحقيقة إلى أداة لتزييف الواقع.. بتعمد تجاهل أصحاب الإنجاز الحقيقي وتضخيم المغمورين وصناعة رموز زائفة.. فالصحافة ليست ساحة لتوزيع الألقاب بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع.. ولكن للأسف اصبحنا نعيش عهد الانحطاط المجتمعي فالساحة السودانية اليوم تمتلئ بشخصيات مغمورة بلا ثقل حقيقي.. مثل المدعو الأمين عمر الذي يطلق عليه لقب (شيخ).
0 وقد تابعنا الأيام الماضية احتفاله بتقطيع تورته من كرسي ضخم ومختلف عن كراسي الضيوف وفي صالة فخمة في القاهرة.. باطعامه للمحتاجين والفقراء.. من المؤسف أن نرى سودانيا يحتفل ويباهي بإطعامه المساكين.. بينما السودان بأسره يفتح أبوابه ويكرم الضيف ويحتفي بالغريب.. وإرث الخلاوي مستمر منذ مئات السنين في إشعال نار التعليم والدين والطعام والكساء بلا انطفاء.. والتاريخ السوداني مليء بمبادرات حقيقية لفعل الخير دون ضجيج أو استعراض.. ورحم الله ابونا الشيخ البرعي.
0 ماحدث يعكس انفصالاً صارخاً عن الواقع السوداني.. وكان مظهر الاحتفاء الذاتي وتضخيم الذات واضحا.. وعلى حساب القيم الاصيلة للسودانيين والمعروفة في الأشعار والأغنيات.. رأينا خلال فترة الحرب الأولى الأمين عمر يتلقى الدعم من خدمات واحتياجات من المليشيا ويستقبل مجرميها وظل مقيما في ام درمان في وقت هرب الجميع منها خوفاً على ارواحهم واعراضهم وبقى الأمين .. الذي يقف اليوم على مسرح الهزل ويظهر كمنقذ للسودانيين من الجوع.
0 لقد كشفت الحرب وماقبلها حجم الزيف والتناقض بين الصورة المصنوعة والواقع.. وأظهرت كيف تسلل الكثيرين إلى واجهة المجتمع لتغطية مصادر أموالهم وتجميل صورتهم.. وكيف استغلت المنابر لتضخيم من لا يستحق، واظهار ادوار بطولية كاذبة.. حتى بلغ الأمر تمجيد شخصيات بلا تعليم ولا تاريخ.. ودونكم قائد الميليشيا الباغي الشقي حميدتي.. وهذا دليل ان المجتمع السوداني يعيش ازمة قيم حقيقية.
0 ومهما يكن من امر.. علينا ان نواجه حرب الاكاذيب المدمرة للمجتمع.. والتي لا تقل خطورة عن الحرب اللعينة التي اشعلتها المليشيا.
الأربعاء 14 يناير 2026
osaamaaa440@gmail.com



